الشيخ عبد الغني النابلسي

372

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فما كان حراما في شرع يكون حلالا في شرع آخر يعني في الصّورة : أعني قولي يكون حلالا ، وفي نفس الأمر ما هو عين ما مضى ، لأنّ الأمر خلق جديد ولا تكرار . فلهذا نبّهناك . فكنّى عن هذا في حقّ موسى بتحريم المراضع . فما كان من أفعال المكلفين حراما في شرع من الشرائع الماضية يكون ذلك الفعل حلالا في شرع آخر غير الشرع الأوّل يعني بذلك الفعل أنه عين الأوّل في مثل الصورة الأولى لا أنه عين الفعل الأوّل المحكوم عليه أوّلا من حيث كليته بكونه حراما حكم عليه ثانيا بأنه حلال إلا من حيث صورته أعني بكونه في الصورة قولي يكون حلالا ، وهو ذلك الفعل الكلي المحكوم عليه بالحرمة وفي نفس الأمر ما هو ، أي المحكوم عليه بالحل ثانيا عين ما مضى فحكم عليه بالحرمة أوّلا لأن الأمر الإلهي دائما خلق جديد بالصورة المتشابهة ولا تكرار في ذلك الخلق الجديد بل كان لمحة يذهب الأمر بخلق ويأتي بخلق آخر غير الأول فلهذا ، أي لكون الأمر كذلك نبهناك يا أيها السالك على ما ذكرناها هنا . وكنّي بالبناء للمفعول ، أي كنى اللّه تعالى عن هذا الأمر الذي هو اختلاف الشرائع للأمم فكل جاءت شريعتها ممدة لها لأنها أصلها فهي ترضعها وتغذوها وقد حرم عليها غيرها في حق موسى عليه السلام بتحريم المراضع عليه ، لأنه يأتي بشريعة ناسخة للشرائع قبله فشريعته هي أمه التي ترضعه بطريق الإشارة . * * * فأمّه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته ، فإنّ أمّ الولادة حملته على جهة الأمانة فتكوّن فيها وتغذّى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك حتى لا يكون لها عليه امتنان ، فإنّه ما تغذي إلّا بما لو لم يتغذّ به ولم يخرج عنها ذلك الدّم لأهلكها ، وأمرضها ، فللجنين المنّة على أمّه بكونه تغذّى بذلك الدّم فوقاها بنفسه من الضّرر الّذي كانت تجده لو امتسك هذا الدّم عندها ولا يخرج ولا يتغذّى به جنينها والمرضعة ليست كذلك . فإنّها قصدت برضاعته حياته وإبقاءه . فأمه في الحقيقة هي من أرضعته ، لأنها تغذيه بجزء منها ولهذا حرمت عليه المراضع لئلا ينتسب إلى غير أمه التي ولدته ، فيفوت حظها منه وقد تعبت في حمله ووضعه وحمل همه وحزنه خوفا من أذية فرعون ، فهي أحق به من غيرها ؛ ولهذا قال تعالى : فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ [ طه : 40 ] لا أمه في الحقيقة من